ابن الجوزي

146

صيد الخاطر

101 - من ادعى بغض الدنيا فهو كاذب اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم له بمقتضى العقل والشرع ، فمن ذلك حفظ ماله وطلب تنميته والرغبة في زيادته ، لأن سبب بقاء الانسان ماله « 1 » فقد نهي عن التبذير فيه ، فقيل له « وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ » وأعلم أنه سبب لبقائه « الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً » أي قواما لمعاشكم وقال عز وجل « وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ » وقال تعالى « وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً » وقال تعالى « لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » . ومن فضيلة المال أن اللّه تعالى قال « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً » * وقال تعالى « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » وقال تعالى « يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ » * وقال « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ » وجعل المال نعمة وزكاته تطهيرا ، فقال تعالى « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح » . وقال : « ما نفعني مال كمال أبي بكر » . وكان أبو بكر رضي اللّه عنه يخرج إلى التجارة ويترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلا ينهاه عن ذلك . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « لأن أموت بين شعبتي جبل أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل اللّه » وكان جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم يتّجرون ، ومن سادات التابعين سعيد بن المسيب ، فمات وخلف مالا وكان يحتكر « 2 » الزيت وما زال السلف على هذا . ثم تعرض نوائب كالمرض يحتاج فيها إلى شيء من المال فلا يجد الانسان بدا من الاحتيال في طلبته ، فيبذل عرضه أو دينه ، ثم للنفس قوة بدنية عند وجود المال وهو معدود عند الأطباء من الأدوية ، حكمة وضعها الواضع ثم نبغ أقوام طلبوا طريق الراحة فادعوا أنهم متوكلة ، وقالوا نحن لا نمسك شيئا ، ولا نتزود للسفر ، ورزق الأبدان يأتي . وهذا على مضادة الشرع فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ، وموسى عليه السلام لما سافر في طلب الخضر تزوّد ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلم لما هاجر تزود ، وأبلغ من هذا قوله تعالى ( وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ) ثم يدعي هؤلاء

--> ( 1 ) انظر فصل ( 34 ) . ( 2 ) لا يعني الاحتكار بالمعنى المعروف اليوم فإنه مذموم .